خواطر أعزب
كتبهاحصان البحر ، في 19 حزيران 2007 الساعة: 19:51 م
فتمطى في جلسته ومد رجليه لتظهر لنا سراويل صفر قد أكل عليها الدهر وشرب وحكّ رأسه المشعّث واستقام ليتكلم شأنه في ذلك شأن العليم ببواطن الأمور ثم قال :
اعلم أننا معاشر العزاب لنا من كل متعة تأخذونها نصيباً فإذا كنت تحس بالاستقرار فأنا أحس به كذلك إلا أن الفرق أنّك تحس به مع زوجتك بينما أحس مع أصدقائي الذين أقضي جل وقتي معهم هذه واحدة أمّا الثانية فكما تشعرون باهتمام زوجاتكم فنحن معاشر العزّاب نشعر بالاهتمام إلا أن هذا الاهتمام يأتينا من أمهاتنا أو أصدقائنا أو على أسوأ تقدير من شغالات بيوتنا ،،
قلت كيف ذلك ؟
قال : اعلم أننا حينما ندخل أو نخرج من بيوتنا فإننا واعترافاً بالحق لا أحد يأبه لنا أحد ولا يهتم بعملنا أحد إلا أني يكفيني من الاهتمام أن أجد لي ثوبا يكسوني وملابس تسترني ويكفيني من الاهتمام أن أجد أمي قد ثلّجت لي بعض ما أُكل لكي آكله عند الحاجة ويكفيني من الاهتمام أن أجد حرصاً على وجودي ممّن أحبّهم ويحبّونني من أصدقائي.
فقلت وقد هالني سوء مصير هذا الأعزب : قبّح الله ضعف الهمة وخور العزيمة أو يسدّك من الاهتمام خرقة بالية ربما تلبسها وقد سبقك غيرك إليها ؟ أو طعاماً قد بات الليالي ذوات العدد ينتظر أن تمتدّ إليه كفك ؟ أو يكفيك أن تجد من أصدقائك اهتماماً لا يوازي معشار ما تجده من أهلك ، هذا إن كتب الله لك السعادة وتزوجت … أوما علمت أن اهتمام الزوجة بزوجها ليس ثوباً تلبسه وأكلا تطعمه .. لا إنما هو الاهتمام المزدوج بين كليكما فتحرص هي على رضاك وتبحث عن ما يسرّك وتعزّك كما تهتم بنفسها أو أكثر وما أجمل وأروع قول الله سبحانه وتعالى في أروع تعبير عن حكمة الزواج حين قال : ((هن لباس لكم وأنتم لباس لهن)) …
انظر إلى حالك حينما تصاب بالحمّى ألا ترى نفسك تطّرح على الفراش دون أن تجد من يسمح على رأسك ويسقيك دواءك ويسهر معك ..
قال: إني أجد شيئاً شبيهاً لهذا . قلت: وما هو ؟
قال: إني حينما أمرض ويتصل صحابي علي لنخرج على عادتنا وأخبرهم عن مرضي أجدهم يهتمون لي ويتخابرون بأمري وربما زاروني في بيتي .
قلت: قلت فهذا قصارى ما تجده ؟ قال: نعم .
قلت: آن لي أمدّ رجليّ لا رجلا واحدة . فكيف رضيت بهذا القدر؟
قال : اسمع اعلم أني لا أراك إلا صادقاًَ فيما تقول ولكن إذا أردت الصدق فإني آنف من احتمال هموم الأسرة وأنا لا زلت في ميعة الشباب وعنفوانه ولا أريد أن أثقل كاهلي بتلك الهموم التي أرى أني لست مجبرا على حملها الآن فدعني أعش شبابي وسعادتي فإذا ما أقبلت على الثلاثين أو زدت عنها حينئذ هات نصائحك حول الزواج ..
قلت : إذن فأمرك ليس سوى التهرب من المسؤولية والعجز عن احتمالها .. هذا وأنت في سنيّ الشباب وقوّته فإذا ما تزوجت وأنت في الثلاثين كما تقول تكون قد أكهلت وشارفت على الضعف فأنّى لك بحمل هموم وأنت في الكهولة ؟
قال : هكذا رأيت وهكذا كتب علي ثم إني أخشى العوز ومن أين أسد أفواه من أعول .
(فلحظت أنه إنما يريد التهرب من فقط وليس لديه ما يعقل من الحديث)
فحين رأيت منه ذاك قلت : قد قال الذي لا ينطق عن الهوى :
(ثلاثة حق على الله عونهم وذكر منهم الناكح يريد العفاف)
ثم رميت له بقول عمر رضي الله عنه (لا يمنعك من الزواج إلا عجز أو فجور)
ولقد رأيت أن لقول عمر رضي الله عنه تفسيرا غير ما يتوقعه الكثيرون فالعجز ليس عجز الرجل عن المرأة فقط وإنما هو عدم القدرة على القيام بحق الأسرة والعجز المادي ..
فلما سمع ذلك : خنس
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ
1- هذه التسمية للعزّاب تنسب للأديب الكبير مصطفى الرافعي رحمه الله
وهذه صورة لأعزب لا يعرف من أمره شيئا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أماني | السمات:أماني
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
































